يطرح نوري ياسين، الباحث المستقل في علاقات القرن الإفريقي والخليج، رؤية تحليلية عميقة لتحولات النظام الدولي، حيث تتصاعد حروب الممرات البحرية والمضائق وتعيد تشكيل خريطة النفوذ العالمي. ويرى أن العالم يدخل مرحلة فوضوية تتراجع فيها القواعد التقليدية للعلاقات الدولية، بينما تتقدم الجغرافيا كسلاح يُعاد توظيفه في الصراع على القوة والمعنى والموارد.


ينشر موقع هورن ريفيو هذا التحليل الذي يوضح كيف دفعت الحرب في الشرق الأوسط بالممرات الاستراتيجية إلى صدارة المشهد، حيث أصبحت المضائق البحرية نقاط اشتعال رئيسية تؤثر على أمن الطاقة والتجارة العالمية، وتعيد رسم موازين القوى بين الدول.


الجغرافيا كسلاح في صراع الممرات


تدفع الصراعات الحالية نحو توظيف الجغرافيا كأداة ضغط، حيث تتحول المضائق مثل هرمز وباب المندب إلى أوراق استراتيجية في النزاع. وتفرض هذه التحولات واقعًا جديدًا يجعل الممرات البحرية مسرحًا مباشرًا للصراع، بدلًا من كونها قنوات حيادية للتجارة العالمية.


تُظهر الحرب أن القواعد العسكرية لم تعد ضمانًا للأمن، بل تتحول أحيانًا إلى أهداف للهجمات، ما يرفع تكلفة استضافتها ويعيد التفكير في جدواها الاستراتيجية. وفي هذا السياق، تتزايد عسكرة البنية التحتية الحيوية، بما يشمل الطاقة والنقل والاتصالات، وهو ما يخلق صدمات جيو اقتصادية واسعة النطاق.


ويقع الجانب الإفريقي من البحر الأحمر في قلب هذا التحول، حيث تحتشد القواعد العسكرية الأجنبية، ما يجعل المنطقة خط مواجهة متقدمًا في صراع أوسع يتجاوز الحدود الإقليمية.


القرن الإفريقي بين المخاطر والفرص


يواجه القرن الإفريقي تحديات وجودية مع تصاعد احتمالات إغلاق الممرات البحرية الحيوية، خاصة باب المندب، وهو ما يهدد شرايين الاقتصاد والطاقة. وتزداد المخاطر مع اعتماد دول مثل إثيوبيا على استقرار هذه الممرات لضمان أمنها الاقتصادي.


يدفع هذا الواقع الدول المطلة على البحر الأحمر إلى إعادة تقييم استراتيجياتها الأمنية، حيث لم تعد الحماية الخارجية كافية في مواجهة حروب المضائق. ويبرز خطر التحول إلى أهداف مباشرة في حال استمرار عسكرة الممرات البحرية.


وفي الوقت نفسه، تفتح هذه التحولات الباب أمام إعادة بناء رؤية إقليمية جديدة تعتمد على التعاون وتعزيز القدرات الذاتية بدلًا من الاعتماد على القوى الخارجية، خاصة في مجالات الأمن والطاقة.


نحو نموذج إقليمي مستقل للأمن والطاقة


يقترح التحليل بناء هيكل أمني إقليمي يعتمد على قدرات محلية، حيث يمكن لقوة شرق إفريقيا الاحتياطية أن تلعب دورًا محوريًا في حماية الممرات البحرية وتعزيز الأمن الإقليمي. كما يبرز دور التكتلات الإقليمية في صياغة موقف مشترك يحد من التدخلات الخارجية.


ويؤكد أهمية إحياء أطر التعاون السياسي مثل مبادرات البحر الأحمر، بما يسمح بتنسيق الجهود لمواجهة التحديات المشتركة، وتعزيز القدرة على إدارة الأزمات بدلًا من الاكتفاء برد الفعل.


في موازاة ذلك، تبرز الطاقة كمدخل استراتيجي للتكامل، حيث يمكن لدول المنطقة استثمار مواردها لبناء شبكة تعاون إقليمي تقلل الاعتماد على الخارج. ويساهم تطوير البنية التحتية المشتركة في تعزيز الاستقلال الاقتصادي وخلق فرص للتكامل الإقليمي.


في النهاية، يبرز القرن الإفريقي كلاعب محتمل في النظام العالمي الجديد، حيث تمنحه الجغرافيا موقعًا فريدًا بين إفريقيا وآسيا وأوروبا. ويعتمد تحويل هذا الموقع إلى قوة حقيقية على قدرة دوله على بناء رؤية مشتركة تتجاوز الصراعات، وتستثمر في التكامل الإقليمي كطريق نحو الاستقرار والنفوذ.

 

https://hornreview.org/2026/04/20/the-african-side-of-the-red-sea-in-a-new-era-of-wars-of-straits-and-corridors/